Application World Opinions
Application World Opinions
Application World Opinions

ليبيا والدرس التونسي

ينظر الليبيون بغبطة وأمل إلى ما حدث في المشهد السياسي التونسي على مدى الأشهر الأخيرة، ويكبرون هذا التحول السلمي من الثورة إلى الدولة، ومن المرحلة الانتقالية، بكل ما شابها من ارتباك وفوضى وعنف، إلى مرحلة المؤسسات الدستورية الثابتة، بسلاسة وسلام وأسلوب حضاري يمثل رقي الشعب التونسي وعمق ثقافته وولائه الوطني، بكل ما تحفل به هذه المرحلة من وعود الاستقرار والازدهار، والنماء والبناء، والانطلاق في نهج الحرية والكرامة، وإنجاز المجتمع الحضاري المنشود.
وترتفع أصوات عقلاء ليبيا بضرورة أن تتأسى النخب السياسية والعسكرية في البلاد وتقتدي بما حدث في البلد الشقيق، وأن ترتفع إلى مستوى التحديات التي يفرضها الواقع الجديد، الذي أفرزته ثورة 17 فبراير، وأن يعود الزخم الذي صنع تلك الثورة، ليوحد أجندة السياسيين والثوار، وأن تستعاد روح الثورة، التي تطالب كل الفرق المتخاصمة والمتحاربة، بأن يتقدم الولاء لليبيا، على سائر الولاءات الحزبية والمناطقية والعشائرية والأيديولوجية، كما فعلت النخب التونسية، عندما راعت المصلحة العليا للوطن، وقدمتها على مصالح الفئات والأحزاب والأشخاص.
من تونس انطلقت الشرارة الأولى التي صنعت ثورات الربيع العربي، ومن تونس خرجت فئات الشعب، إلى الشارع في تظاهرات سلمية، وأقامت في الساحات تطالب بإسقاط النظام، حتى حققت معجزة الإطاحة به وأرغمته على الهروب، في ظاهرة غير مسبوقة على مستوى الوطن العربي في العصر الحديث، وأشعلت ثورة الياسمين الأمل في قلوب شعوب، كانت قد خضعت للمهانة والإذلال تحت حكم، وانطلقت فئات الشعب في مصر وليبيا واليمن، حتى وصلت، في النهاية، إلى نفس النتيجة، وهي الإطاحة بالطغاة، الذين حكموا، بالقمع والاستبداد والمخابرات.
ويسأل الليبيون أنفسهم، سؤالا وجيها، عن الخطأ الذي جعل بلدا مثل ليبيا يتخلف عن مسيرة رفيقيه في الثورة وهما تونس ومصر، فقد باشر القطران المجاوران لليبيا، المتوافقان معها في تاريخ الانطلاق في الثورة، مسيرة بناء الدولة واجتياز المرحلة الانتقالية، بكل ما رافقها من أنواع الفوضى والحوادث الإرهابية، ثم تخلفت هي، غارقة في مستنقع الاحتراب والاختلاف والخصومات.
ونبدأ بالحديث عما هو ظاهر على السطح من أسباب وأولها طول أمد النظام الانقلابي، وما حدث أثناءه من تجريف وتحريف وتصحر، ومعاداة للقيم المدنية والحضرية، وزرع لبذور الشر والجريمة، وحرب على الثقافة والفنون والآداب، وتحطيم للبنى التحتية في التعليم والمجتمع والدولة، بينما اختلف النظامان في مصر وتونس عن هذا النظام، في أن فسادهما كان سياسيا صرفا، بينما ظلت مؤسسات التعليم، والهيئات التي ترعى الفكر والفن والثقافة تؤدي مهمتها، دون أن ينالها ضرر. كما أن مؤسسات الدولة، ظلت قائمة لا ينالها التلف، كما حدث في النظام الليبي، الذي استهدف تدمير أسس الدولة وتركها خرابا يبابا.
الأمر الثالث الذي لابد من الإشارة إليه هو مؤسسة الجيش، فقد كانت في كل من مصر وتونس، ذات كيان قوي، قائم بكل أركانه بمنحى عن التحريف والتجريف والخراب الذي حصل لمؤسسة الجيش الليبي.
ولهذا فإن وجود مؤسسة الجيش في البلدين، هو الذي كان عاملا في حسم الأمر لصالح الثورة، قبل أن تصل المسألة مرحلة الصراع كما حدث في ليبيا، ثم حدث بشكل أكثر ترويعا في سوريا، وكان هذا الحضور الحاسم للجيش في مثل هذه اللحظة التاريخية، هو الذي حمى مصر وتونس من التداعيات التى حصلت في ليبيا نتيجة الحرب التي أعلنها النظام السابق على الشعب، وعمد خلالها إلى فتح مخازن السلاح الذي تراكم لديه عبر السنين، وفتح السجون لأصحاب القضايا الجنائية ليستعين بهم على قتل الثوار، فنتج عن ذلك هذا الحصاد المر الذي أعقب التحرير وسقوط النظام، وهو وجود عشرين مليون قطعة سلاح خارج إطار الدولة، وخارج الشرعية والقانون، ووجود ما يقرب من ثلاثين ألف مجرم طليق السراح، وصل إلى أيديهم هذا السلاح، وتكونت به عصابات اتصل بعضها بميليشيات تدعي أنها تعتمد على الثوار، بينما ضمت أهل الإجرام، لكي تستعين بهم في حربها ضد الدولة أو ضد ميليشيات أخرى، واختلط الحراك الثوري بهذا المسار الإجرامي، وصنع الكارثة التي تمر بها ليبيا الآن، واختلط الاثنان بعامل ثالث هو البلاء الداعشي المصنّع في غرف المخابرات العالمية، ليزرع كما تزرع الأمراض في جسد الوطن، وصنع هذا الثالوث مأساة الشعب الليبي، لأنه أعاق بناء الدولة، وأعاق المسار الديمقراطي، ومنع هذا المسار من الوصول إلى نتائجه المنشودة.
وها نحن نرى أن البلاء قد استشرى، إلى حد أننا نسمع الصرخات تنطلق من دول الجوار العربي، ودول الجوار الأفريقي، بل دول الجوار الأوروبي، وهناك الآن دعاوى لتدخل دولي دعت إليه مجموعة الدول الأفريقية في آخر مؤتمراتها، ولكنّ هناك رأيا يقول بأن ليبيا يمكن أن تحل مشاكلها عن طريق الحوار، وإذا لم يكن الحوار ممكنا، لأنه فيما يبدو قد وصل إلى طريق مسدود، فإن الحسم يمكن أن يكون عسكريا، عن طريق تكليف الجيش الليبي والسلطات المنتخبة، التي تمثل الشرعية في البرلمان والحكومة المنبثقة عنه، بوضع حد لهذه الفوضى وهزيمة الميليشيات الخارجة على القانون، وإعادة البلاد إلى المسار الديمقراطي.
د. أحمد إبراهيم الفقيه - كاتب ليبي

0 comments :

Enregistrer un commentaire

التعليق على هذا المقال