Application World Opinions
Application World Opinions
Application World Opinions

هل حدثت ثورة في تونس أم لم تحدث؟ كل يجيب حسب مدرسته

كثيرون يسألونني هذا السؤال وكثيرون يجيبون بالنفي حتى قبل أن يستمعوا إلى ردي..

بالنسبة إلى المدرسة الأمريكية في العلوم السياسية الإجابة نعم: حدثت ثورة في تونس والدليل هو سقوط نخب حاكمة وتعويضها بأخرى جديدة. والديموقراطية بالمفهوم الأمريكي هي «دوران النخب في الحكم عبر صناديق الاقتراع». ومفهوم «النخب» يتكرر كثيرا في أدبياتها وهو المحور المركزي في مقارباتها. وهي تعتقد أن «النخب» تشكل نسبة خمسة بالمائة من المجتمع وتقود بقية المجتمع أي الخمسة وتسعين بالمائة الباقية. والنخب لا تشمل فقط القادة السياسيين وإنما القادة في كل المجالات من أدب ورياضة وسينما إلى ومال...
بالنسبة إلى المدرسة اليسارية الاجتماعية عامة والماركسية خاصة: الإجابة لا. لم تحدث ثورة في تونس. لأنه لم يحدث سقوط طبقة وتولّي طبقة جديدة الحكم. وتركز هذه المدرسة على مفهوم «الطبقات» بدل مفهوم «النخب».
أمثلة من التاريخ
انقلاب جمال عبد الناصر والضباط الأحرار في مصر في 23 جويلية 1952 العسكري تحول إلى ثورة اجتماعية عميقة قامت بتفتيت طبقة «الباشوات» ملاك الأراضي المتحالفين مع الملك وأقامت الإصلاح الزراعي الذي حدد ملكية الأرض ب50 فدانا حدًّا أقصى... فتمّ انتزاع مئات الآلاف من الهكتارات من المُلاَّك الكبار وتوزيعها على الفلاحين المُعدمين... كما قامت بتأميم المصانع وكل المشاريع الاقتصادية الكبرى...
الثورة الفرنسية كان وقودها «الشعب» أي الطبقة الثالثة ونجحت في القضاء على الطبقة الإقطاعية أي الأولى لصالح الطبقة الرأسمالية التي استغلّت بذكاء شديد الظروف التاريخية لتستولي على نتائج الثورة إلى حد اليوم رغم محاولات «روبسبيار» اليائسة في إيقاف مجراها ورغم محاولة كومونة باريس عامَ 1848 لاستعادة الثورة لصالح الطبقة الكادحة... الرأسمالية نجحت في توطيد حكمها لكنها قدمت تنازلات كثيرة في فرنسا عبر «شراء» السلم الاجتماعي من خلال قيام دولة «الرعاية الاجتماعية».
نحن إذن أمام ثورة في تونس تندرج إلى حد اليوم على الأقل في إطار العلوم السياسية الأمريكية أي سقوط «نخب قديمة» وصعود «نخب جديدة» كانت معارضة لحكم بن علي. في هذا المستوى يهتم الأمريكيون بعملية «الثورة» من ناحيتها الشكلية الميكانيكية الصرفة: كيف تحدث ثورة؟
الثورة من مفهوم أمريكي
علماء سوسيولوجيا الثورة البارزون مثل ماك أدامز وسيدناي وتورو وخاصة شارلز تيلي اهتموا كثيرا بآلية سقوط النظام. تيلي الأبرز في هذا المجال يميز بين العوامل البعيدة والعوامل المباشرة التي تؤدي إلى نجاح ثورة. العوامل غير المباشرة نجدها في تراكمات كمية تحدث عبر عقود من الزمن مثل الانفجار السكاني ونقص موارد الدولة وسوء توزيعها وبروز نخب جديدة معارضة تبحث عن لعب دور وتعويض النخب القديمة وخاصة عجز الحكومة عن تعبئة الموارد في استمرارها...
أما العوامل المباشرة في نجاح الثورة فهي تلك المشكّلة «للحالة الثورية» والتي استمرت حوالي أربعة أسابيع في تونس أي انطلاقا من17 ديسمبر 2010 إلى يوم 14 جانفي 2011 حيث سقط نظام زين العابدين بن علي بهروبه إلى السعودية.
العوامل الثلاثة توفرت بشكل جيد في الثورة التونسية وهي:
أولا: راديكالية المعارضة الشعبية ومطالبتها برحيل النظام ورفضها لأية إصلاحات أو تنازلات يمكن أن يقدمها. وهذا ما توفَّر بشكل واضح في الثورة التونسية عبر شعار «خبز وماء وبن علي لا».
ثانيا: تفكّك النخب الحاكمة وانقسامها حول نفسها. وهذا ما حدث رغم أن المعلومات كانت شحيحة جدا في الحالة التونسية ولم تبدأ بالكشف عن نفسها تدريجيا إلاّ بعد أشهر طويلة من الثورة. ونعرف اليوم أن وزراء تخلوا عن بن علي وآخرون بقوا أوفياء له...
ثالثا: حياد الجيش أو «خيانته» للنظام. هذا العامل حاسم في كل الثورات فحتى يسقط النظام لا بد من توفر هذا العامل. يوم 12 جانفي 2011 كنت في التلفزيون السويسري وقلت إن نظام بن علي في طريقه إلى السقوط لأن عوامل الثورة توفّرت بشكل واضح لي. لأول مرة تندلع انتفاضات شعبية ولا يطلق الجيش النار على المتظاهرين في تونس بل بالعكس يتضامن معهم ويدافع عنهم ضد هجمات قوات الأمن لتفريقهم. فيديوهات المتظاهرين والجيش في القصرين وخاصة في صفاقس كانت معبرة جدا وذات رسائل واضحة تماما للمتظاهرين: استمروا فنحن معكم.
الثورة التونسية حسم نجاحها الجيش التونسي وهو من أسقط بن علي. في أول مرة في حياتي أظهر فيها في التلفزة التونسية في شهر فيفري 2011 سألتني الصحافية بنوع من المكر : «هل تعتقد أن ما حدث في تونس انقلاب عسكري»؟ إجابتي كانت هادئة: «بالتأكيد ثمة انقلاب عسكري قد حدث لأن الثورات لا تنجح إلا عبر حياد الجيش أو خيانته للنظام وفي كلتا الحالتين ثمّة انقلاب عسكري قد حدث. وهو على العموم انقلاب إيجابي بما أنه جاء ضد الدكتاتور ولصالح المتظاهرين».
من وجهة نظر العلوم السياسية الأمريكية تعتبر الثورة التونسية أنموذجا بارزا للثورة حيث توفرت فيه كل العوامل المباشرة وغير المباشرة. من حيث الشكل، سقطت نخب حاكمة قديمة وجاءت نخب حاكمة جديدة رغم المرحلة القصيرة لحكومتيْ محمد الغنوشي والباجي قائد السبسي المخضرمتيْن.
لم تحدث ثورة في تونس: فقط النظام جدد نفسه
لكن بالنسبة إلى الأدبيات اليسارية الاجتماعية وهي أيضا غزيرة الإنتاج لم تحدث ثورة اجتماعية في تونس غيرت موازين القوى بين الطبقات .. وإنما فقط النظام الاقتصادي الاجتماعي القديم جدد نفسه. ولا فرق بين حكم «التجمع الدستوري الديموقراطي» أو حكم «حركة النهضة» أو الحكومة الحالية للسيد مهدي جمعة. والدليل على ذلك أن نفس الخيارات الاقتصادية يتم ترسيخها في البلاد التي تتجه بسرعة فائقة نحو الأنموذج الاقتصادي الاجتماعي النيوليبرالي الأمريكي وليس حتى على نمط نموذج «الدولة الراعية الاجتماعية» على النمط الأوروبي الغربي: الدولة تتراجع في سياسة دعم المواد الاستهلاكية وتواصل عمليات الخصخصة ببيعها للقطاع العام للمستثمرين الخواص وتدعم سياسة اقتصاد السوق الذي ضاعف الأسعار وزاد من حدة التضخم. والطبقة المهمشة التي كانت «النواة الصلبة» للثورة في سيدي بوزيد والمكناسي وتالة والقصرين وقبلها الرديف وقدمت أكبر عدد من الشهداء والجرحى وتلقت الموجة الأولى من القمع الدموي لم تربح شيئا غير زيادة المآسي في حياتها اليومية. حتى أن عدد المنتحرين يأسا وفقرا في تونس ازداد ولكن دون مبالاة الكثيرين.. والطبقة المتوسطة فقدت امتيازاتها كلية ولم تعد قادرةً على تحقيق حلم «العائلة التونسية الصغيرة» في بيت صغير وسيارة صغيرة. لم تعد قادرةً حتى على تسديد حاجياتها اليومية الضرورية من الغذاء الصحّي المتكامل..    
هذه الفئات الاجتماعية تمثّل غالبية المجتمع أي أكثر من تسعين بالمائة تشعر بخيبة أمل كبيرة في الثورة ولم تعد تعتقد فيها... والجناح الراديكالي فيها مازال يحتفظ بشعلة الثورة الاجتماعية في بؤر توتر كثيرة في ما بعد الثورة : ليس أولها أحداث سليانة ولا آخرها أحداث المتلوي.. تونس مازالت تعيش «الحمّى الثورية» التي قد تستمرّ سنواتٍ وربما عقودًا بعد نجاح «الثورة». وعوامل التوتر الاجتماعي تتراكم أكثر فأكثر و«العنف الشرعي للدولة» من قوات أمن وجيش لا يمكنه منع ثورة «الجياع» إن اندلعت من جديد.
حدث وفاق وطني سياسي حزبي أنتج حكومة السيد مهدي جمعة. لكن لم يحدث إلى حد اليوم وفاق وطني اجتماعي يطفئ فتيل التوتر المتصاعد... ثمة اهتمام أكثر من اللازم بالسياسة والايديولوجيا على حساب الاقتصاد الاجتماعي والعدالة الاجتماعية... ويتزايد التباعد بين «نخب» متلهّفة على «الحكم» و«طبقات» تبحث عن سفينة للنّجاة وتدقّ ناقوس الخطر لأنها تغرق...
 رياض الصيداوي

0 comments :

Enregistrer un commentaire

التعليق على هذا المقال