Application World Opinions
Application World Opinions
Application World Opinions

الجواب الحقيقي عن إسلام التطرف هو الإسلام الديمقراطي

قال راشد الغنوشي رئيس حركة النهضة التونسية إن"التوافق بين التونسيين هو الضامن الوحيد" لنجاح الانتقال الديمقراطي، مؤكدا أن حزبه يواصل التزام الحياد في انتخابات الرئاسة. في حوار مع DW تحدث الغنوشي عن مخاطر الإرهاب وأسبابه.
في حوار أجرته معه DW في برلين على هامش تسلمه جائزة مؤسسة ابن رشد للفكر الحر، اعتبر المفكر الإسلامي التونسي ورئيس حركة النهضة راشد الغنوشي أن الخطر الأول الذي يهدد عملية الانتقال الديمقراطي في تونس، هو "خطر داخلي إذا لم يتوافق التونسيون". وأكد أن حزبه سيواصل نهج التوافق مع حزب نداء تونس الذي تصدر المشهد السياسي في الانتخابات التشريعية الأخيرة ومع فرقاء سياسيين بمن فيهم "الجبهة الشعبية" (يسار)، وجدد موقف حزبه الحياد إزاء المترشحين للدور الثاني من الانتخابات الرئاسية محمد المنصف المرزوقي الرئيس المنتهية ولايته، والباجي قايد السبسي زعيم حزب نداء تونس.
وحول ظاهرة الإرهاب، تحدث الغنوشي عن "أسباب عميقة" سياسية واقتصادية وفكرية، ونفى مسؤولية حكومة "النهضة" عن التحاق آلاف الجهاديين التونسيين بداعش.
مُنحتَ جائزة ابن رشد، وسبقك إليها مفكرون من أمثال الراحلين المغربي محمد عابد الجابري، والمصري حامد ابو زيد، وأيضاً المخرج السينمائي التونسي نوري بو زيد، وهؤلاء يعتبرون مناوئين للإسلاميين بل أن بعضهم اٌتهم بالكفر وأٌهدر دمه، ألا تخشى أن تنالك سهام الإسلاميين المتشددين؟
راشد الغنوشي:المفكرون متهمون منذ زمان بالهرطقة، ولم يمنعهم ذلك من أن يواصلوا نهجهم في التفكير الحر، متحملين مسؤولية الفكر. ولذلك أنا أترحم على الذين سبقوني من المفكرين الذين توفاهم الله، وأسال الله أن يعينني على تحمل مسؤولية الفكر الحر.
تؤشر انتخابات رئاسة البرلمان التونسي التي تمت قبل أيام بأن هنالك توفقاً جرى بين حزبكم وحزب نداء تونس، من خلال تبادل الأصوات. فهل يعني ذلك أنها بداية توافق ستصل إلى تشكيل الحكومة الجديدة والانتخابات الرئاسية؟
نهج التوافق في تونس هو النهج الذي أنقذ الانتقال الديمقراطي التونسي وميزه عن بقية عمليات الانتقال التي هيمن عليها الصراع ومبدأ المغالبة. في 5 أكتوبر/ تشرين الأول العام الماضي، وقعنا على وثيقة الحوار الوطني، وهي خارطة طريق جمعت أهم الفرقاء السياسيين والاجتماعيين وانتهت هذه التجربة بإنقاذ المسار التونسي وتتويجه بدستور عظيم وبهيئات انتقالية منها الهيئة الوطنية المستقلة للانتخابات وهيئة وطنية مستقلة لإعلام وهيئات أخرى. ولذلك فإن نهج التوافق ليس غريباً عن تونس، بل أنه من أنقذ التجربة التونسية، وما حصل يوم الخميس الماضي (الرابع من ديسمبر/ كانون الأول) في مجلس الشعب (البرلمان) هو امتداد وتواصل لهذا النهج التوافقي.
هل سيكون التوافق بين حزبي النهضة ونداء تونس، على حساب مرشح الانتخابات الرئاسية، الدكتور منصف المرزوقي، خصوصاً وأنه اشتكى من إقصائه من حضور جلسة افتتاح البرلمان المنتخب؟
النهج التوافقي هو نقيض لنهج الإقصاء والاستبعاد، ولذلك لسنا مسؤولين عن عدم دعوة الدكتور منصف المرزوقي لجلسة افتتاح البرلمان.
وهل من تبعات لتوافقكم مع "نداء تونس" على الانتخابات الرئاسية؟
نأمل أن يستمر نهج التوافق لأن تونس لا تزال في مرحلة انتقالية، فهي في بداية مرحلة انتقالية ثالثة، والأوضاع محاطة بكثير من الأخطار، والتوازنات دقيقة، كل ذلك يحتاج إلى أن يتواصل نهج التوافق حاكماً في تونس، بديلاً عن نهج المغالبة والصراع، الذي تتحمله الديمقراطيات العريقة ولا تتحمله الديمقراطيات الناشئة كالديمقراطية التونسية، لاسيما وتونس واقعة في قوس اضطراب في محيط إقليمي مضطرب.
لكن التونسيين الآن أمام خيارين لا ثالث لهما، وقد أعلن حزبكم في الدورة الأولى من الانتخابات أنه يقف على مسافة محايدة من المتنافسين، فما هو السلوك الانتخابي الذي ستنصحون به أنصاركم في الدورة الثانية؟
حتى الآن لا نزال على نهج الحياد أو التفويض (التفويض للأنصار باختيار من يرونه مناسباً من المترشحين)، ويجتمع مجلس شورى الحركة لإعادة النظر في الموقف، فهل تواصل في النهج نفسه أم تعدله، وتنزله تنزيلاً جديداً، وبحث كيفية تجسيد مبدأ الحياد بين المترشحين.
هل توصلتم بأي إشارة من حزب نداء تونس بشأن المشاركة في الحكومة المقبلة؟
لا، وإنما هنالك استعدادات للتشاور وللتوافق، ولكن المسألة مؤجلة إلى ما بعد انتهاء العملية الانتخابية فيما يبدو.
ما هي أكثر المخاطر التي تهدد عملية الانتقال الديمقراطي في تونس؟
أهم ما يهدد التونسيين هو ألا يتوافق التونسيون، وأن يتنكروا لنهج التوافق ويستبدلوا عنه نهج المغالبة. اعتبر أن الخطر الأكبر يكون داخلياً عندما لا يتوافق التونسيون، وبعد ذلك يأتي خطر الإرهاب، وهو خطر يتهدد الإقليم وتونس جزء منه (الإقليم). ثم تأتي التحديات الاجتماعية والاقتصادية، ففي تونس مئات الآلاف من العاطلين عن العمل وضمنهم مئات الآلاف من حاملي الشهادات العليا، وهي تشكل قنبلة موقوتة لم تعالج حتى الآن وتحتاج إلى علاج.
استقطاب كبير بين المترشحين منصف المرزوقي والباجي قايد السبسي
أبدت سهام بن سدرين رئيسة هيئة الحقيقة والكرامة، مخاوفها من حدوث تراجعات في المرحلة المقبلة في ملف العدالة الانتقالية، في حال هيمنة حزب نداء تونس على معظم المؤسسات الدستورية، فهل تشاطر هذه المخاوف؟
الشعب التونسي هو الضامن للحريات، وهو الذي صنع الثورة وهذا الدستور، وهو الذي يحمي هذه الحرية ولن يحميها تعهد من هذا الحزب أو ذاك، والشعب هو من يحميها، وهو يقظ لأنه من صنع الثورة والحريات. ولا خوف على تونس من عودة الاستبداد، والشعب قادر على صنع ثورات أخرى إزاء من تحدثه نفسه بالعودة إلى نظام الاستبداد.
نسبة كبيرة من الشباب لم يشاركوا في الانتخابات، وتوجد تونس في محيط إقليمي مضطرب ودول الربيع العربي الأخرى لا تسير في نفس المسار التونسي، هل تعتقد أن تونس - وفي ضوء المخاطر التي أشرتم إليها- مرشحة للانزلاق إلى السيناريو المصري؟
لا أتوقع ذلك، ولا أتمناه قطعاً. وأعول- بعد الله- على حكمة التونسيين وتعقلهم.
تعرضت "النهضة" عندما كانت تقود الائتلاف الحكومي، إلى ضغوط كبيرة. فما الذي جعل الأمر يختلف عن "الإخوان المسلمين" في مصر، ما هي العناصر الحاسمة التي أحدثت الفرق بين الحالتين؟
تونس غير مصر، وتونس غير سوريا. هنالك أوضاع اجتماعية وثقافية وتركيب سكاني ومحيط إقليمي مختلف.
إلى أي حد كان دور الجيش حاسماً في إحداث الفرق؟
لاشك أن الجيش التونسي، كان منذ البداية حامياً للثورة وظل يحميها باستمرار ولم يتدخل في الشأن السياسي وليس له تجربة في التدخل، وهو من حسن حظ تونس. أما في مصر فالأمر مختلف.
خلال فترة حكومة الترويكا، شكلت تونس خزاناً رئيسياً للجهاديين الذين التحقوا بداعش، وهنالك تقديرات تشير إلى وجود ثلاثة آلاف تونسي. كيف ترد على حدوث ذلك في ظل حكومتكم؟
بقطع النظر عن الأرقام التي لا يوجد فيها أمر ثابت، هنالك أعداد من التونسيين في حقول الحروب والفتن، وهؤلاء ليسوا ثمرة ولا منتوجاً لعهد الثورة الذي لا يتجاوز 4 سنوات، وإنما منتوج عهد الدكتاتورية. إن الإرهاب هو ثمرة دكتاتورية بن علي ودكتاتوريات مبارك وصدام حسين والأسد، وهؤلاء هم من زرع في المنطقة بذور الدكتاتورية والإرهاب من خلال خنقهم لكل صوت حر، ودفعهم الشباب، بعد سد كل أبواب التغيير السلمي وفتحهم لكل أبواب جهنم على هذه الشعوب.
ولذلك لا يمكن لهذا المرض، أي الإرهاب، أن يُستأصل بدون تجفيف ينابيعه المتمثلة في الاستبداد والظلم الاقتصادي والتفقير الثقافي. إن الإرهاب مرض مركب يحتاج إلى معالجات مركبة، لا تكفي فيه الطائرات والصواريخ وأجهزة الأمن، وإنما لا بد من معالجات فكرية تعيد تفسير الإسلام لهؤلاء الشباب.
لكن هنالك في تونس، من يحمل حكومة الترويكا، مسؤولية عدم اهتمامها مبكراً بمخاطر الشبكات الإرهابية، فهل كان ذلك مثلاً بسبب قلة خبرة من تولوا الحكومة أم نتيجة عدم إمساك بزمام مؤسسات الدولة، أم ماذا؟
انتم في الخارج تتلقون أصداء ما يحدث في تونس. ما تقوله هو ثمرة التجاذبات السياسية ضمن الصراعات الانتخابية، وكل يرمي الآخر بأقذع الاتهامات ويختلق الاتهامات. ولذلك فإننا لا نسمع هذا الاتهام الآن، بعد أن مضى الموسم الانتخابي.
أما الإرهاب فهو ظاهرة سبقت "النهضة" وبعدها. ففي زمن بن علي نبت الإرهاب، بل تمت عمليات إرهابية في زمنه، وعلى مشارف العاصمة تونس سنة 2006 ظلت حرباً بين النظام وهؤلاء (الإرهابيين) لمدة عشرة أيام، كما جرى تفجير معبد الغريبة (معبد يهودي) في جزيرة جربة، ووقعت حوادث إرهابية كثيرة في البلاد. وبعد الثورة، حدثت في زمن حكومة قايد السبسي، سنة 2011، عملية الروحية.
وبعد أن خرجت "النهضة" من الحكومة ظل هذا الأمر، بل استفحل. ولذلك، فإنني أرى أنه من باب تبسيط الأمور المعقدة، رمي التهم جزافاً بالقول إن ظاهرة الإرهاب مرتبطة بحركة النهضة، طيب وماذا نقول عن ما قبل النهضة وما بعدها؟!
إن الإرهاب ظاهرة عالمية اليوم، والأمر أعقد من أن يفسر بالسبب الوحيد، والقول إن النهضة مسؤولة عنه. بل في حقيقة الأمر، فإن النهضة هي أكثر من تضرر من الإرهاب.
كيف ذلك؟
لقد تسببت الاغتيالات السياسية التي حدثت لزعيمين سياسيين رحمهما الله، شكري بلعيد ومحمد البراهمي، في إسقاط حكومتي "النهضة" بقيادة حمادي الجبالي وعلي العريض. فأكثر من تضرر من الإرهاب هي حكومتا "النهضة"، ولذلك ينبغي الذهاب إلى الأسباب الحقيقية، بدل التعلق بالاتهامات السياسية.
تسبب هذا الملف في فجوة عميقة بين حزب النهضة والجبهة الشعبية (يسار)، وهم يحملونكم مسؤولية ما حدث، ووجهت اتهامات مباشرة لشخصك. فهل كانت قُبل نائبكم عبد الفتاح مورو على رأس زوجة البراهمي في البرلمان رسالة للتصالح؟
اعتبر أن ذلك يدخل ضمن التجاذبات السياسية والإيديولوجية، وتونس لا تحتاج إلى تصعيد التوتر بين فئاتها السياسية. والجبهة الشعبية هي مكون من مكونات المنتظم السياسي التونسي، ونحن ندعو إلى الحوار مع كل مكوناته (المنتظم السياسي)، بل ندعو إلى حكومة وحدة وطنية تضم الجميع بمن فيهم الجبهة الشعبية. نحن لسنا إقصائيين، وحتى لو أن الآخرين واجهونا بالإقصاء فنحن نواجههم بما واجه به الشيخ عبد الفتاح مورو الموقف.
بالقُبل؟
(يبستم)...
طيب، ما هو الحل لمواجهة معضلة الإرهاب، وماذا تقول لشبابكم (في حركة النهضة) كي لا ينخرطوا في العنف وفي تنظيمات "داعش"؟
شباب حركة النهضة ليسوا في "داعش"، وهو بعيدون عن ذلك، فنحن في حالة حرب مع الإرهاب، ولسنا في حالة سلم، فهؤلاء يقاتلون ويحملون بأيدهم السلاح ويكفرون "النهضة" وغيرها، وهم يعتبرونها "حركة مرتدة ومنحرفة".. وبالنسبة للعلاج، فبما أن المرض معقد ومنتشر في العالم، بما يدل على أن له أسباباً عميقة ينبغي البحث عنها، بدل تجريم هذا الطرف أو ذاك..والسبب العميق، والمسؤول الأول عن الإرهاب هو الدكتاتورية بما هي ظلم سياسي وظلم اجتماعي وبما هي تفقير فكري وروحي.
وما حجم مخاطر الإرهاب في تونس في ظل وجود المعضلة إقليمياً؟
لا مستقبل للإرهاب في تونس، وما يحدث هو ظاهرة عرضية ولن يكون لها مستقبل لأن المجتمع التونسي مجتمع معتدل في دينه منبسط في جغرافيته ومنسجم في تركيبته وموحد، ولذلك فإن هذه الظاهرة استثنائية وعابرة نتيجة حقبة الدكتاتورية القاسية والمظلمة التي مرت بها تونس.
وللتذكير، ففي تاريخ تونس خلال السبعينات والثمانينات والتسعينات، أي خلال وجود النهضة، لم تكن هذه الظاهرة موجودة. عندما كان الإسلام المعتدل حاضراً في الساحة ويملأ المساجد في تونس، لم تكن في البلاد لا قاعدة ولا داعش ولا أنصار الشريعة. وهذه الظاهرة وجدت عندما حورب الإسلام المعتدل، وجاء في محله إسلام متطرف، تماماً مثلما يحدث الأمر عندما تحارب السلعة الجيدة فتنتشر السلعة المغشوشة والفاسدة.
ولذلك اعتبر أن الجواب الحقيقي عن إسلام التطرف هو الإسلام الديمقراطي.
لكن توظيف الدين في السياسة يمكن أن ينزلق إلى حكم ثيوقراطي ديني، فكيف يمكن فك هذه العلاقة الملتبسة بين الإسلام كدين والسياسة؟
كل إيديولوجيا قابلة للتأويل الفاسد، ولذلك فإن الماركسية حضرت في بعض الأوقات في شكل بادر ماينهوف (منظمة الجيش الأحمر الألماني) وفي شكل الجيش الأحمر الياباني، والقومية العربية حضرت في بعض الأوقات في أشكال متطرفة ترفض التعددية والديمقراطية وتعتبرها بورجوازية، والمسيحية حضرت عبر أحزاب معروفة في إفريقيا، في أشكال معادية للحرية.
والإسلام أيضاً، في ظل ظروف غير طبيعية عاشها نتيجة القمع والقهر والتضييق، عبر عن نفسه في شكل غضب وفي شكل بعض الشباب الذين لم يحظوا بفرصة التعلم الصحيح وفي ظروف اجتماعية مناسبة، فالإسلام عبر نفسه في أشكال سيئة. ولذلك فإن عودة المجتمع للظروف الطبيعية المتمثلة في الديمقراطية والعدالة والتعليم الصحيح والإعلام الصحيح، هي الجواب الصحيح عن الإرهاب. ولاشك أن للأمن والقضاء دوره في مكافحة الإرهاب، لكن لا ينبغي أن يوكل هذا الملف لأجهزة الأمن وحدها لأن الظاهرة عميقة ولا يمكن معالجتها بعملية جراحية فقط.
هل يمكن لحزب إسلامي كالنهضة أن يصبح في يوم ما حزبا مدنيا على غرار الحزب المسيحي الديمقراطي في ألمانيا، حزب سياسي مدني بمعزل عن الخلفية الدينية التي تهيمن عليه الآن؟
هو يسير في هذا الاتجاه، والصحوة الإسلامية تسير في اتجاه التعايش مع الفكرة الديمقراطية والتعددية، وهذا جوهر المشروع النهضوي الإسلامي التونسي، أي تبيئة الفكرة الديمقراطية في الثقافة الإسلامية. كما حدث في الثقافات المسيحية واليهودية والبوذية والهندوسية، حيث تعايشت صور من تفسيرها مع الفكرة المدنية أي الدولة المدنية والديمقراطية وحقوق الإنسان والمساواة بين الجنسين والتعددية الثقافية والدينية في العالم.
لكن كيف تعالجون الأمر داخل حزبكم الذي يوجد به تيار متشدد، مثلاً الشيخ حبيب اللوز الذي استضاف الشيخ (المصري) وجدي غنيم في تونس، وهذا الأخير هاجمك شخصياً بسبب تهنئتك لحزب نداء تونس إثر فوزه في الانتخابات، فهو لا يعترف بمبدأ التداول السلمي على السلطة ويعتبر الديمقراطية حراماً؟
حركة النهضة حركة ديمقراطية، وهي حركة كبيرة وواسعة وليست حزباً حديدياً يصنع قوالب، ولذلك تجد داخل"النهضة" أمزجة كثيرة واتجاهات ووجهات نظر متعددة، ولكنها تلتقي كلها حول قواسم مشتركة، وهي الإسلام الوسطي ورفض العنف سبيلاً للعمل السياسي، وكلهم يقبلون الديمقراطية كأداة لتنظيم الحياة السياسية، والتداول السلمي على السلطة والمساواة بين الجنسين. وفي هذا المناخ العام يقبلون تونس كإطار للدولة الوطنية.
وفي هذا الإطار هنالك اتجاهات عديدة داخل "النهضة" وهي كلها تحتكم في نهاية المطاف إلى مؤسسات الحزب التي تجتمع وتتخذ القرار ويلتزم بها الجميع.
تثير تحالفاتكم مع تنظيم الإخوان المسلمين ومع قطر تساؤلات عن مدى استقلاليتكم عنهم؟
نحن حركة تونسية وطنية، إسلامية، ديمقراطية، لا يلزمنا شيء إلا القانون التونسي ولا يلزمنا شيء إلا ما تقرره مؤسساتنا، وما عدا ذلك فهي مجرد علاقات عامة وعلاقات تعارف وليس هنالك شيء ملزم لنا إلا ما ينص عليه الدستور التونسي وقانون تونس ومؤسسات "النهضة".
ولكنكم تؤدون ثمناً على هذه العلاقات، مثلاً من طرف السعودية والإمارات؟
نحن نعتبر ذلك اتهامات ظالمة، ونطالب بتصحيحها وتعديلها.
أنت شخصياً عشت فترة من حياتك في بريطانيا، كيف تفسر ما يحدث لفئات من الشباب المسلمين الذين يعيشون في الغرب ويتمتعون فيه بالحرية ويأويهم من ظلم أنظمتهم الدكتاتورية، لكنهم يلتحقون بداعش ويدعون للانتقام من الغرب؟ لو كنت سياسياً أوروبياً كيف ستتعامل مع الموضوع؟
نحن بصدد التفسير ولسنا بصدد التبرير لهذه الظاهرة، فنحن ندين هذه الظاهرة إدانة كاملة. وعندما نفسر الظاهرة فنحن بصدد البحث عن سبل العلاج، هنالك أسباب عميقة. وقد استمعت مرة إلى جاك لانغ وزير الثقافة الفرنسي السابق في حوار مع بي بي سي، وسئُل عن أحداث شغب وحرق قام بها شباب إسلامي في ضواحي باريس، وهل إن ذلك بسبب قلة اندماجهم في المجتمع الفرنسي؟ فكان جوابه: لا، بل هم يفعلون ذلك بسبب اندماجهم. فنحن علمناهم في المدارس مبادئ الحرية والمساواة، وعندما يخرجون إلى المجتمع لا يجدون ذلك، فبمجرد أن هذا اسمه محمد أو هذه اسمها خديجة، يمارس عليه التمييز عندما يطلب وظيفة.
وهو يشير بذلك إلى ظاهرة التمييز ضد المسلمين، وهذه من الأسباب. فالمجتمعات الأوروبية تحتاج إلى القيام بأعمال أكبر مما تقوم به من أجل إدماج الأقليات المسلمة، وخصوصاً إدماج الشباب كي يشعروا بمواطنتهم وبأنهم يتمتعون بكامل الحقوق، ولاشك أن النقص في تعليمهم الديني يجعلهم عرضة لتلقي التفسيرات والتأويلات المتشددة، وربما أيضاً بسبب الظروف الصعبة التي يعيشونها في أحياء فقيرة. فالمسألة تحتاج إلى معالجة ثقافية واجتماعية وأيضاً إلى الأمن عبر تطبيق القانون.
أجرى الحوار في برلين: منصف السليمي

0 comments :

Enregistrer un commentaire

التعليق على هذا المقال